السبت، ٢٣ ديسمبر ٢٠٠٦

صقر البحار ـ قصة قصيرة ل محمود البدوى


صقر البحار
قصة محمود البدوى


كان البحر عالى الموج والرياح تزمجر والليلة شديدة الظلام ..

وكان الزورق يشق الماء فى جو ينذر بالعواصف والمجدافان يعملان بشدة .. ويجهد أنفسهم الرجال الشجعان ليصل الزورق إلى مقصده ..

كان قد ابتعد عن المنتزة وخرج إلى عرض البحر .. وأصبح تحت رحمة الأقدار .. ولكن الرجال الأشداء الذين يوجهونه كانوا يكافحون ببسالة ..

ولم تكن العاصفة مقدره .. ولا كانت فى حسبان أحد .. ولا كان هناك أدنى احتمال فى أن ينقلب الجو إلى هذا السوء ولكن الزورق كان لابد أن يبلغ السفينة فى منتصف الليل مهما كانت الأحوال فأقلع ..

وكان ( مرسى ) صاحب الزورق الملقب ( بصقر البحر ) من أمهر الصيادين ورجال البحر فى الإسكندرية اعتاد على المخاطر وركوب الأهوال ، وكان يعتمد عليه فى مثل هذه المهمة اعتمادا كليا .. وندر من يقبلها أو يرضى القيام بها من أصحاب الزوارق الأخرى .. ولكن صقر البحار كان على استعداد تام لأن يبيع نفسه حتى للشيطان إذا دفع له الأجر عاليا ..

وكان صقر البحر أصغر من رفيقيه فى الرحلة سنا ولكنه أشدهم بأسا وأعظمهم قوة وكان يتولى القيادة وأمساك الدفة .. وفيه كل طباع القرصان .. مع أن عهد القرصان قد ولى .. وذهبت أيامه وبقى ظله فى البحار .. ولكن مرسى كان يضحك ويقول : « أن الناس أصبحوا قراصنة على الأرض بعد أن اختفى قرصان البحار .. فلماذا لا أعيد للبحر هيبته .. ؟ »

ومنذ عصف البحر وهو يفكر فى الشىء الذى غيبه فى القاع .. خشية أن يغرق الزورق ويفقده فتكون الكارثة الكبرى ..

وكان جسورا مقداما بطبعه .. وقد أكسبه العيش فى البحر .. جرأة وجسارة أكثر .. وقد ذهب بزورقه هذا إلى سواحل الشام .. كما ذهب إلى قبرص وإلى بيريه .. ولم تكن جرأته فى البحار تقف عند حد ..

وكان يرتدى سروالا أسمر وقد تمنطق بحزام ووضع على صدره ( فانلة ) البحار وفوق هذه صدارا قطنيا مخططا زاهى الألوان .. وغطى رأسه بطاقية صوفية مزركشة جعلته أشبه بصقر الليل ..

وكان الملاحان الآخران المرافقان له فى الرحلة يلبسان ملابس الصيادين .. وحشا أحدهما جيوبه بالتبغ والبلح المجفف .. وأخذ الرجال الثلاثة يدخنون فى صمت وعيونهم إلى البحر والليل وكانت العاصفة تزداد عنفا ..

وكان هناك المسافر الوحيد فى هذا الزورق .. وقد جلس قابعا منزويا فى الجزء الخلفى الملاصق للدفة وعلى وجهه كل دلائل القلق والخوف الشديدين ..

وأخذ الزورق يتأرجح ويعلو به الموج ثم يهبط .. ومع كل ذلك ظلت ملامح الرجال ساكنة ووجوههم جامدة .. وكانوا قد طووا نصف الشراع .. وبدا النصف الأعلى المنشور كافيا لأن يدفع الزورق كالسهم فى مثل هذه الريح لو كانت الأحوال طبيعية ولكن صراع الموج كان يعوق الإبحار .. وكان الزورق يبدو .. كأنه لا يتحرك من مكانه .. والبحر يزأر بعنف وكأن فى أعماقه غيلانا تتقاتل .. وتجذب الزورق بسلاسل إليها ..

عاش الثلاثة رفقاء فى البحر .. وكانت حياتهم ملتصقة بالبحر وممتزجة به .. وتحت سمائه يأكلون ويشربون .. وينامون .. وكانت صدورهم المفتوحة وعضلاتهم وسواعدهم .. تزداد قوة وصلابة فى صراعهم مع الأمواج ..

وكان (مرسى) على غير عادة قد أخذ يجدف فى هذه الليلة لهول البحر .. وكانت قوته وحده تعدل قوة رفيقيه .. ثم ترك المجداف لغيره وانتصب فى مؤخرة الزورق .. يرقب ما هناك .. وبدت قامته الطويلة فى الليل كمارد أسود ..

كان فارع الطول عريض الألواح .. وكان يجيل عينيه الحادتين فى أغوار البحر .. باحثا عن السفن التى تتحرك هناك ..

وكانت يداه تتحركان إلى الأمام والخلف ثم وضع أحداهما فى جيبه وأشعل لنفسه سيجارة بعد أن أنحنى فى القاع ليكون بنجوة من الريح ..

وبدت عيناه حمراوين كوهج السيجارة التى فى أطراف أنامله .. وكانت حياته صراعا رهيبا كثيرة المخاطر .. وكانت المخاطرة تدفعه لمثلها أو أشد منها حتى وجد نفسه أخيرا يعيش فى حلقة مفرغة وكان الصيد ستارا لما يقوم به من أعمال خفية ولم يكن يؤمن إلا بالشىء الذى سيحصل عليه هو مهما ركب فى سبيله من أخطار ..
كان أنانيا يدور حول نفسه والأنانية هى محور حياته .

وكان عيشه فى البحر قد جعل جلده أسمر كأنما سفعته النكبا .. وكان شعره مفلفلا قصيرا .. وترك شاربه مفتولا وكان يعنى به ويدهنه ويجعله لامعا كلما أتيحت له الفرصة لأن يزهو بنفسه ..

وفجأة برز أمام عينيه شىء ضخم قام كالجدار كأنما خرج من جوف البحر ولم يشاهد ( مرسى ) السفينة إلا وهى أمامه .. وكانت ضخمة من عدة طوابق وتسير فى الخط المضاد .. وكانت تقترب منه كأنها متعمدة سحقه ولما أقتربت توضحت معالمها وأبراجها وبدت أنوارها الضئيلة تمسح الظلمة قليلا .. لاحت فى الليل الشديد السواد وهى تتأرجح .. كحبات من الدر متناثرة على صينية من الزئبق الرجراج ..

وكان الموج يدفع السفينة الشامخة ويميل بها إلى جانب ولكنها كانت فى جبروت واصرار تلتزم خطها المرسوم .. وكان ( مرسى ) يدرك تماما أن السفينة لم تره ولم تحس وجوده إلى جانبها .. قط .. وهنا يكمن الخطر ويتجسم فى كل لحظة ..

وأحس بالدوامة تقترب وكان الزبد الأبيض المتخلف من محرك السفينة والذى سيطويهم يقترب منه .. رآه ( مرسى ) على مدى أمتار قليلة .. فامسك بالدفة فى يده وصاح فى رفيقيه وزأر ..

وأحس المسافر الوحيد بالخطر فتجمع على نفسه مرعوبا ..

وزعق الرجال الثلاثة فى صوت واحد وقد تحولوا إلى مردة .. على المجاديف ..

واندفع الزورق إلى الأمام ثم ارتد إلى الخلف مرة أخرى وارتفع كالطود ثم أنخفض وحسب الرجال أنهم قد غاصوا فى قاع البحر .. ثم تنبهوا إلى صوت المحرك .. مع صفارة السفينة ..

وكأنما جاء النذير فى الليل العاصف فهدأت المحركات .. ومرق الزورق من جانب السفينة وخرج إلى بحر الأمان ..

وران صمت كالجبال على الوجوه المنتفخة .. والعيون المحدقة فى ذهول .. فقد نجوا من الموت باعجوبة .. أعجوبة الأعاجيب ..

وتغير وجه مرسى بعد أن أجتاز الخطر .. وظهر عليه العبوس فقد أحس بأنها ليلة مشئومة .. ولكن لهفته على أن ينجز مهمته .. جعلت قلبه الصلد لا يلين ولا يعبأ بما تأتى به الأخطار فراح يحدق إلى الأمام فى سكون .. وكأن البحر يضفى عليه إحساسا بالقوة وبالحرية ..

تحرك المجدافان فى الماء وأخذا يضربان صفحته فى قوة .. وأحس ( شعبان ) أحد الملاحين بطقطقة فى الحلقة التى تمسك بالمجداف .. وفى سرعة جذب المجداف من الماء وأخذ يغير الحبل .. وبقى المجداف الآخر يثير الزبد ..

واستدار الزورق لما نزل المجداف الثانى إلى الماء مرة أخرى وأخذ يشق طريقه وبدت أضواء السفن من بعيد تتحرك فى بطء .. كأن المحركات تتقى شر العاصفة ولا تدور إلا هونا ..

ونظر ( مرسى ) إلى ساعته فألفاها الحادية عشرة .. وكان أمامه مسيرة ساعة كاملة فى هذه الأهوال حتى يلتقى بالسفينة التى يقصدها..

وكان الزورق رغم العواصف والأنواء يسير فى خط معلوم كأنما يتحرك بمحرك .. كان ينطلق ثم يرتد ولكنه يمضى على سننه فى وجهته المرسومة ..

وكان الماء واسعا وخيل إلى ( مرسى ) عندما أبعد تماما عن الشاطئ وأوغل فى اليم إنه يسير فى وسط المحيط الأطلسى ويتجه غربا إلى أبعد مدى ..

واعتمد على عامود الدفة وأخرج لنفسه سيجارة من جيبه وأشعلها وأجال الطرف فيما حوله .. كان البحر لا يزال مهولا .. ولكن السفن بدت كثيرة وراء بعضها كأنما تربطها سلسلة واحدة وهى خارجة لتوها من قناة السويس .. لابد أنها عبرت القناة بالأمس .. وربما فجر اليوم وها هى الآن تتهادى إلى كل البحار ..

ظل الرجل فى مكانه صامتا حتى رأى النور الذى يعرفه والسارية التى يقصدها .. وكان يعتمد على ( شعبان ) اعتمادا كليا فقال فى صوت النشوان :
ـ إننا نقترب ..
ـ أجل .. ياريس ..
ـ عندما ندور فى الجانب الأيسر من السفينة أترك المجداف لـ ( حميدو ) .. وارتكز أنت على المقدمة حتى ترى الزورق ينزل بالحبال من السفينة .. وحاذر من السفينة وإلا أغرقتنا فى دوامتها ..
ـ سنبذل كل ما فى وسعنا .. واللّه يسلم ..

ومرت لحظات وظهر من بعيد هيكل السفينة كالجدار ونزل من جانبها زورق صغير وبدا الرجال فى الظلمة كالعفاريت ..

ورفع مرسى المجاديف عن زورقه وانحنى إلى الأمام يحدق فى الظلمة الجاثمة أمامه .. وقد أمسك بيده عمود الدفة .. ورأى الزورق الآخر على سطح الماء ثم أنزلق إلى ناحيته وران الصمت .. حتى أقترب الرجال ..

وخرج المسافر الوحيد من مكمنه كأنه خارج من قاع الجب ..

وأخرج ( مرسى ) الصندوق الملآن بالسبائك الذهبية .. من قاع الزورق وناوله لشعبان فى المقدمة .. وتقابل الزورقان ..

ونزل المسافر الوحيد فى الزورق الآخر .. وحمل له مرسى الصندوق المملوء بالذهب والجواهر .. ووضعه بجانبه فى الزورق الآخر وقبض أجر التهريب من المسافر الوحيد .. وعاد إلى زورقه وهو نشوان فقد قبض مبلغا ضخما .. يكفيه لأن يعيش كريما لو أراد ..

ودارت المياه وتحرك الزورق الآخر حركة لولبية ثم عاد إلى سفينته مرة أخرى ورفعوه بالحبال والجنازير ..

وتنفس الرجال الصعداء لقد قاموا بالمهمة فى جو عاصف وفوق الأمواج المرتفعة .. وسأل مرسى .. رفيقيه :
ـ تعبتم .. ؟
ـ أبدا ..
ـ حركا .. المجاديف .. جولة واحدة ثم نرجع لننام ..

وتسمع حركة .. فأنصت وألقى أذنيه :
ـ إنى أسمع حركة ..
وأنصت الملاحان ..
ـ إنه طراد ..
ـ لا .. إنه رفاص السواحل .. حل الشاغول يا شعبان .. وشد الشراع إلى آخره ..
ـ نغرق يا ريس ..
ـ الغرق .. خير من القبض علينا .. سيسوموننا العذاب .. حل ياشعبان حل ..
ـ نغرق ياريس ..
ـ قلت لك حل ..
وتحرك إليه فدفعه إلى السارية ..

واندفع شعبان إلى الأمام .. وعاكسته عقدة فى الحبل .. فتعلق بالسارية .. ليعالجها .. وجاءت موجه عالية فى هذه اللحظة .. رفعت الزورق على صدرها ثم حطته .. وعندما نظر مرسى إلى مكان شعبان وجده شاغرا .. فصرخ فى حميدو .. ولكن الزورق كان يسير بين موج كالجبال فذهب الصراخ هباء ..

وكان حميدو يريد أن ينزل وراء شعبان .. ولكن مرسى منعه ..

وكان البحر مهولا .. والحيتان تتراقص بجانب الزورق .. وطفا شعبان مرة واحدة وهو يصرخ مستنجدا .. ثم ابتلعه اليم ..
وشرب مرسى الشاى .. وأشعل سيجارة ..

وخيم سكون الموت فهذه هى المرة الخامسة التى يحدث فيها غرق فى جولاته .. كان شعبان الذى غرق من أمهر الملاحين وقد أسف عليه ولكن ماذا يجدى الأسف ..

ولم يحزن مرسى على الرجل الذى غرق وابتهج لأنه سيأخذ نصيبه وقرر أن يعطى أرملة الغريق منحة بسيطة ويأخذ الباقى لنفسه ..

أما حميدو فقد حزن على موت رفيقه وأحس بغصة فى حلقه .. ولولا خوفه من مرسى لقفز إلى الماء وتركه وحيدا ..

ولما وجد الريح قد سكنت أطلق الشراع كله .. ورفع المجداف .. وخيم الصمت من حوله .. وبدأ الليل تنقشع غياهبه .. وأخذت نجوم الفجر تتألق ..

وكان الزورق ينطلق فوق الماء فى يسر بعد أن سكنت الأمواج ..

وأحس مرسى وهو معتمد على الدفة وقد أطلق « الشاغول » وشد الشراع بأنه يملك زمام الطبيعة .. وأن كل شىء رجع إليه كما كان .. وبدا البحر جميلا أزرق .. وصفحة السماء فى مثل زرقته ..

لم يحزن على الرجل الذى طواه البحر .. أبدا .. هذا عارض يحدث لكل إنسان وماذا يجدى الحزن .. وماذا يجدى الأسف ..

وأحس بالجوع .. فأكل شيئا .. ولم يأكل رفيقه .. وأحس بعد الطعام بالدفء ولم تكن الليلة شديدة البرودة .. وإن كانت ريح فبراير لا تزال تسفع ..

وكان الزورق يشق صدر الماء فى يسر والشراع منتشرا .. والحبال مشدودة .. وإلى يساره لاحت أنوار بعيدة ..
إنه يقترب من الشاطئ جدا .. وقد بعد عن الخطر .

وارتكز ثانية فى مؤخرة الزورق وحول إتجاهه .. ليقترب من الشاطئ أكثر وأكثر ..
لقد دخل فى منطقة الأمان ولم يعد البحر يخيفه ..

وتحسس النقود فى نطاقه الجلدى .. سيعطى « حميدو » خمسين جنيها فقط ويبقى المبلغ كله له لقد أدى المهمة واستراحت نفسه .. شعر بالارتياح .. كان يشعر بإبتهاج النفس كلما فرغ من عمل ركب فى سبيله المخاطر ..

وملأ رئتيه من هواء البحر .. وتمطى وشعر بلذة من فرغ من عمل كبير .. واستحوذ على أجره كاملا ..
وانطلق الزورق ..

وبدت اليابسة على مرمى الأفق .. الأرض الخضراء .. وكان يحس بانتعاش وهو يرى إلى بعيد .. ويحس بشوق لأن يعود .. إلى بيته سليما كما خرج منه ..

لقد انتهى الأمر .. وذهبت المخاوف كلها .. وبغرق شعبان إنزاح الشؤم كله ..

وأحس بأنفاس البحر .. وكان الزبد يذهب مع الموج ثم يجئ .. زبدا راغيا ..

وأخذ الزورق يتمايل حتى لاحت اليابسة .. مع أنفاس الصبح .. وأشرق نور الصباح .. بهيجا رائعا .. وسيسير فى النهار عائدا إلى الإسكندرية .. انه الآن على مبعدة من رشيد وربما من أدكو .. وسيظل يتهادى بزورقه فى عرض البحر حتى يقبل الظلام .. وفى الليل سيدخل الإسكندرية .. ما أجمل الحياة فى البحر ..
أن حياة البحر هى الحرية ..

وقال لحميدو :
ـ إرم الشبكة .
ومع مطلع الشمس سحباها وكان فيها سمك كثير ..

كان مرسى مستغرقا فى التفكير .. وكان رفيقه يلقى بالسمك الحى إلى قاع الزورق ويطوى الشبكة فى المؤخرة .. ويقوم بعمله العادى فى نشاط عجيب .. ونسى ما حدث فى الليل .. نسيه بسرعة .. لأن الحياة عودته على ذلك .. وأدار الزورق .. وقادة إلى حيث يقدر وجود المياه الساكنة كان يريد أن يصطاد سمكا كثيرا يملأ به قاع الزورق ليغطى العمل الذى خرج من أجله فى الليل فظل يصطاد ويصطاد .. وبدا كل شىء واضحا فى الشمس بهيجا وظل الجو هادئا إلى العصر وفى الغروب انقلب الجو مرة أخرى .. وأمسى عاصفا وظل الرجلان يكافحان ويغالبان الأمواج ببسالة وملامحهم ساكنة ..

وأحس مرسى بموجة عاتية قادمة من بعيد ستدفع الزورق وتحطم السارية .. وانقلب الزورق من شدة العاصفة واحتواه الماء .. وغاص مرسى فى اليم ثم طفى ولما نظر لم يجد الزورق المقلوب ولا حميدو واختفى كل شىء عن نظره وظل يسبح ثم أدركه التعب وقبل أن يشرف على الغرق انتشله زورق من زوارق الصيادين وألقاه إلى الشاطئ .. وكان فى حالة من الغيبوبة ولما أفاق لنفسه كان متمددا فى كوخ بجوار البحر .. والشمس مصفرة وكانت هناك امرأة واقفة خارج الكوخ ..

كانت نعيمة على الباب .. واقفة كأنها تنتظر عودة زوجها الذى ذهب إلى الحقل .. أو تتطلع إلى الغروب .. وكان وجهها يرف كالأقحوان وقد بدت طويلة ملساء العود نقية البشرة ..

وسألها الرجل الراقد وهو يدير عينيه فى ذهول لعله يتذكر :
ـ ما الذى جاء بى إلى هنا .. ؟
ـ التقطك صياد .. وأنت غريق فى البحر ـ بين الموت والحياة ـ وألقى بك إلى الساحل ..
ـ وأين نقودى .. ؟
ـ أى نقود .. ؟
ـ نقودى الكثيرة حزمة من أوراق البنكنوت ثلاثة آلاف جنيه كانت هنا فى نطاقى ..
ـ ربما سقطت فى البحر ..
ـ إنها لا تسقط .. لقد سرقت منى .. وانتزع النطاق وأنا فى غيبوبة ..
ـ ربما فعل هذا الصياد ..
ـ من يدرى وربما غيره .. ؟

وحدق فى وجهها .. كانت رائعة فى دثارها الأسمر .. وكانت عيناها السوداوان تشعان ببريق أخاذ ..

وغاظه أن المال الذى ظل يعد العدة له منذ سنة كاملة .. ذهب سريعا فى خطفة عين .. دون أن يدرى من الذى أخذه ..

وأحس بالغضب .. ولكن الحمى كانت تشله عن الحركة .. ونظر إلى المرأة مرة أخرى وأتهمها وإن لم يجد الدليل القاطع ..

وسألها :
ـ هل تعرفين الصياد الذى انتشلنى من البحر .. ؟
ـ أبدا .. إنه عابر سبيل .. ربما كان فى طريقه إلى الإسكندرية .. أو رشيد .. لقد ابتاع منا سجائر .. وأبقاك هنا .. وذهب ..
وفكر أنها تكذب ..
وسألها :
ـ تحت أى بلدة نحن ..؟
ـ إننا قريبا من « ادكو » ..

ورأى رجلا يقدم فى إتجاه الكوخ .. فسألها :
ـ ومن القادم هناك ..؟
ـ إنه زوجى ..

ورأى رجلا قصيرا يتحرك فى ظل الغسق .. وكان يحمل زكيبة على عاتقه .. ولما اقترب الفلاح من مرسى جلس بجواره يحييه ويسأله :
ـ كيف حالك الآن .. ؟
ـ كما ترى .. بخير .. والشكر لك ولزوجتك ..
ـ اعملى شايا يا نعيمة .. وجهزى العشاء للريس .. ما اسم الكريم .. ؟
ـ مرسى ..
ـ جهزى العشا للريس مرسى ..
ـ العشا جاهز .
ـ أشكرك .. تعاف نفسى الطعام .. أرجوك إذا مرت سيارة أجرة فى طريقها إلى الإسكندرية أوقفها لى .. لأعود لبيتى ..
ـ أنت الآن تعبان وإذا سافرت .. وأنت مريض ستؤذى نفسك ..
ـ لا بد أن أذهب إلى المستشفى إن الحمى تأكل بدنى ..
ـ نعم .. سنوقف لك سيارة ..

وشرب مرسى الشاى .. وأحس بالعرق والنوم يراود أجفانه فتدثر ونام إلى الصباح ..

وفى الصباح وجد الفلاح قد خرج إلى حقله .. وكانت نعيمة هناك بعيدة فى الكشك الذى على ناصية الطريق تبيع الدخان والكازوزة للعابرين ..

وألفى نفسه فى الكوخ وحده .. ووجد الفرصة سانحة ليفتش كل جحر وشبر باحثا عن نقوده .. فتحرك وأخذ يفتش فى كل ركن وفى كل الأشياء فى « الغلق » وفى الصندوق وفى الجراب .. وفى الطاقة .. بحث فى هذه الأشياء .. بسرعة ولهفة خشية أن يرجع الرجل أو ترجع المرأة فجأة .. ولم يجد شيئا فى الغلق ولا فى الصندوق ولا فى الطاقة .. فعاد إلى مكانه يائسا وفيما هو يدور بعينه فى الحائط .. لمح شيئا ارتجف له قلبه .. لمح شرخا حديثا فى الحائط سوى بمونة لم تجف بعد .. فانتصب وتحسس بيده قالب الطوب .. وانتزعه .. وهنا وجد الفجوة .. وقبضت يده على البنكنوت .. نقوده بعينها .. نقوده فى الربطة الجلدية التى كان واضعها فى نطاقه ..

وقبضها بيديه ووضع النقود فى صدره واحتضنها .. وهو نشوان لإنتصاره .. واستقبل الباب ليفر بها ..

وهنا أحس بطعنة خنجر حادة تنفذ فى ظهره تبعتها طعنات سريعة وسقط مرسى صريعا على الأرض فى مدخل الكوخ ..

وفى ظلام الليل .. سحب الفلاح القتيل على الرمال الناعمة حتى ألقاه فى البحر ..

===============================
نشرت عام 1966 بمجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " مساء الخميس " وأعيد نشرها بمجموعة " قصص من الإسكندرية " من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ الناشر مكتبة مصر 2002
================================





ليست هناك تعليقات: